سيد محمد طنطاوي

197

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والتسخير : التذليل والانقياد والطاعة التامة . أي : وجعل - سبحانه - الشمس والقمر منقادين لأمره انقيادا تاما وكلاهما يجرى في مداره إلى الوقت المحدد في علم اللَّه - تعالى - لنهاية دورانه ، وانقطاع حركته . وهما في جريانهما يسيران بنظام محكم دقيق غاية الدقة ، كما قال - تعالى - : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ . وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله * ( أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) * . وفي تصدير الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح * ( أَلا ) * إشارة إلى كمال الاعتناء بمضمونها ، وإلى وجوب التدبر فيما اشتملت عليه . أي : ألا إن اللَّه - تعالى - : وحده هو الخالق لكل تلك المخلوقات ، وهو وحده المتصرف فيها ، والمهيمن عليها ، وهو وحده * ( الْعَزِيزُ ) * الغالب على كل ما سواه ، الكثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه توبة نصوحا . ثم ساق - سبحانه - أدلة أخرى على وحدانيته فقال : * ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها ) * . أي خلقكم - سبحانه - من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم ثم خلق من هذه النفس الواحدة ، زوجها وهي أمكم حواء . قال الشوكاني : والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم . للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم ، أدخل في كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة لأن خلق آدم هو على عادة اللَّه المستمرة في خلقه ، وخلق حواء على الصفة المذكورة لم تجربه عادة لكونه - تعالى - لم يخلق أنثى من ضلع رجل غيرها « 1 » . وقال الجمل : فإن قلت كيف عطف بثم مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه ؟ أجيب بأن ثم هنا للترتيب في الإخبار لا في الإيجاد . أو المعطوف متعلق بمعنى واحدة ، فثم عاطفة عليه لا على خلقكم ، فمعناه : خلقكم من نفس واحدة أفردت بالإيجاد ، ثم شفعت بزوجة . أو هو معطوف على خلقكم ، لكن المراد بخلقهم ، خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة لا على هذا الخلق ، الذي هم فيه الآن بالتوالد والتناسل « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) * بيان لبعض آخر من

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 450 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 590 .